أبي منصور الماتريدي

304

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ : نُقِرَ : أي : نفخ ، و النَّاقُورِ : الصور ، وهي كلمة كتب الأولين ذكرها هنا ، فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ، وقال في موضع آخر : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ [ الحاقة : 13 ] ، وقال في موضع آخر : إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [ يس : 29 ] . فجائز أن يحمل هذا كله على التحقيق ؛ فتتحقق « 1 » الصيحة والزجرة والنقرة ، ثم تعقبها الساعة . وجائز أن يكون هذا على التمثيل ؛ فيكون فيه إخبار عن سهولة ذلك الأمر وهونه على الله تعالى ؛ لأن اللمحة والزجرة والنفخة والنقرة أمر سهل ، لا يشتد على أحد . أو يكون على تقصير الوقت على الذين ينفخ فيهم الروح ، أي : الأرواح ترد عليهم في قدر النفخة ، والزجرة ، والصيحة ؛ خلافا لأمر النشأة الأولى ؛ لأنه في النشأة الأولى إنما نفخ فيه الروح بعد كونه نطفة في بطن أمه أربعين يوما ، ثم علقة ، ثم مضغة كذلك القدر من المدة ، ثم نفخ فيه الروح بعد مدد وأوقات ، وفي النشأة الأخرى ينفخ [ الروح ] « 2 » بالقصر من المدة ، وذلك قدر النفخة والزجرة والصيحة واللمحة ، والله أعلم . وإنما قلنا بأن التأويل قد يتوجه إلى التمثيل دون التحقيق ، وإن ذكر في بعض الأحاديث تثبيت الصور والناقور ؛ لأنها من أخبار الآحاد ، وخبر الواحد يوجب علم العمل ، ولا يوجب علم الشهادة ، وفي تحقيق الصور والناقور ليس إلا الشهادة ؛ لذلك لم يحصل الأمر على التحقيق والقطع لئلا نقطع الحكم على الشهادة . ثم قد ذكرنا أن قوله : « إذا » « 3 » جواب سؤال واقع عن تبيين وقت ؛ كأنه قيل له : فاصبر إلى أن ينقر في الناقور . أو يكون جوابا لقوله : قُمْ فَأَنْذِرْ [ المدثر : 2 ] ، أي : أنذرهم عما « 4 » يحل بأهل الشر من العذاب بنقر الناقور .

--> ( 1 ) في أ : فيتحقق . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في ب : إن . ( 4 ) في ب : عملا .